التخطي إلى المحتوى الرئيسي

وداعا نانو من روائع الراقي وليد.ع.العايش

 ( وداعا نانو ) 


كانت القرية تضع ثقلها خلف ذاك التل القديم الذي لم يبرح مكانه منذ أن سكنت في الحياة . 

هنا يقطن شاب في أول عمره مع عائلة كبيرة: ( عشرة أخوة وثلاث أخوات والأب والأم والجدة التي جاوزت المئة عام بقليل ) ، ومع هذا فإنها مازالت تحتفظ بذاكرتها كعنفوان شجرة السنديان الراسخة في واجهة البيت ، ولعل الغريب في الأمر أنها لم تطلب المساعدة من أي شخص لتأدية أية حاجة من حاجاتها حتى هذا التاريخ ، التعاريج التي تسكن جسدها هي ذاتها تسكن جسد القرية ، لعلهما كانتا تستمدان القوة من بعضهما البعض . 

هذا العام كان مختلفا جدا عن سابقيه ، فقد انتشر الجوع كالذباب بعد أن أقفرت السماء ، وتخلى مختار القرية عن أداء واجباته تجاه السكان بينما أصبح العمل حلما يجتمع عليه الرجال والشباب في سهرات شاحبة . 

ولم تكن الشهادة الجامعية التي عاد بها الشاب من قرية مجاورة كافية لتؤنس البطون الخاوية ، لكنها كانت طريقا واعدا لعلاقة متينة بين الشاب والكلب الأبيض الصغير ( نانو ) هكذا كان يناديه دوما ، يترافقان كصديقين حميمين طيلة النهار وقبل أن يتجه الشاب إلى سريره الموحش يربت على رأس نانو ثم يتركه يمضي بقية الليل ليحرس ما تبقى من دجاجات تعد على أصابع اليد . 

كل ليلة ذات الحديث حتى تغلغل السأم إلى النفوس فأصبح حديثا ممجوجا لا معنى له ، وكيف لا يكون كذلك ولا بشائر تتبدى في اللوحة الجدارية الصدئة . 

ارتفع صوت الجدة العجوز ( مالكم تتحدثون بهمس ، سوف تموتون جميعا ، اذهبوا إلى المختار واشرحوا له بدل أن تنعقوا كالغربان ) ، في ذات اللحظة علا عواء نانو وكأنه يؤيدها فيما تقول . 

تجمهر الجميع حول كومة الحطب التي كادت أن تنقرض ، همهمات وهمس وكلام غير مفهوم ، يشعل أحدهم بقايا عقب سيجارة من عود حطب مشتعل ثم ينفث دخانها في سماء الغرفة : ( غدا بعد العصر نجتمع هناك ) أشار بإصبعه إلى ساحة القرية ( إياكم أن تتخلفوا عن الحضور سنذهب إلى المختار ونشرح له وضعنا ) ( وسيكون المعتصم المتحدث باسمنا جميعا ) ، عدل الشاب معتصم جلسته ونظر صوب الباب فإذا بنانو يناظره هو أيضا ويهز رأسه . 

لم يتأخر العصر في القدوم رغم المعاناة القيصرية بولادة فجر كل يوم ، الجميع كان هناك أما العجوز المئوية فكانت تراقبهم من سطح البيت وترفع كفيها نحو السماء . 

انطلق الموكب المهيب بصمت الوجوه الشاحبة والأفواه المرتعشة والأقدام المتأخرة في المسير وكأنها مكبلة بالسلاسل إلى الأرض الوعرة ، كان المعتصم يتصدرهم وهو يتأبط ( كرتونة بيضاء ) يلفها بشريط مزركش بينما نانو يلاصق ساقيه ويكاد يعثره أثناء سيره . 

ظهر المختار من علو أمام منزله المليء بأشجار مختلفة وهو يضع عباءة مذهبة على منكبيه العريضين تاركا شاربيه يتدليان كغصن منفي على فمه الكبير ، أصبح المعتصم والجمع وجها لوجه مع المختار المدجج باللحم : ( أهلا وسهلا بك يا بني ، كنت أنوي زيارتك لأبارك لك بالشهادة الجامعية لكنك سبقتني وأتيت ، ها لقد وفرت علي مشوارا ، شكرا لك ) ... تفاجأ الشاب وظن بأن المختار يرحب به بصيغة الجمع لولا أن نانو ضربه على ساقه بقوة فنظر إليه وإذ به يومئ له للخلف ، فأدار عينيه على عجل إلى الوراء وكاد أن يخر خاشعا لكنه أمسك ببقية قوته وعاد بنظراته صوب المختار الذي أصبح محاطا باثنين من الرجال مع أسلحتهم النفاثة . 

( ماذا تريد يا معتصم ، لابد أنك تريد مكافأة أليس كذلك ) ... صمت الشاب وعاود النظر إلى نانو ودمعة باردة تحتبس في مقلتيه : ( لا يا سيدي المختار لا أريد مكافأة بل جئت كي أهديك نسخة من شهادتي وهذا أيضا ... ) ... 

( إنه كلب جميل ، شكرا على هذه الهدية الثمينة ) ، ترك المعتصم كلبه وشهادته بين يدي أحد الرجلين ( وداعا نانو ) ثم عاد إلى ساحة القرية . 

ثلاثة أيام مرت على ذلك العصر وكان الإخوة العشرة ( تسعة فقط لاغير ) ، بينما هرب نانو من قصر المختار لأمر ما ... 


وليد.ع. العايش 

٢٩ / ١٢ / ٢٠٢٠ م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لقاء عابث من روائع الراقية همس القوافي

 قصة قصيرة  ¶لقاء عابث ¶ جلس على الطاولة يتأمل ساعة يده وهو ينتظر قدومها بفارغ الصبر استرجع بذاكرته شريط الذكريات في الاسبوع السابق، حينما التقى بها صدفة في احد الاماكن العامة لم يتبادلا اطراف الحديث سوى لحظات عابرة رغم مرور سنتان على أخر لقاء لهما الاثنان كانا على عجلٍ ولم. يستطع اي منهما التحدث اكثر من سلام عابر لا اكثر ولكنه لن يضيع عليه فرصة لقاءها وطلب منها لقاء اخر في الاسبوع القادم المقرر به حاليا وهو جالس يتأمل الزحام من حوله لفت انتباهه رائحة عطر مميزة تلك الرائحة التي تستخدمها هي التفت اليها بلهفة متشوق لرؤيتها كما في السابق سرعان ما انطفئ لمعان عينيه حينما خاب امله وابصر بها فتاة اخرى لم تكن هي ... نظر الى ساعته مرة اخرى يحسب الدقائق واحدة تلو الاخرى للقاء محبوبته قطع افكاره صوت بجواره يقول -هل سأمت الانتظار يبدو وانني اطلت قدومي ؟ .... اسرعت الخطى وهي تتوجه نحو المكان المقرر للقائهما، اوووه تنفست الصعداء وهي تنظر لنفسها بواسطة زجاج السيارة المنعكس عليه صورتها تتفقد نفسها مستعدة للقائه بعد غياب سنتان  بدأت تمشي بخطوات متثاقلة وبتردد متوجهة نحو الطاولة التي يج...

هويتي من روائع الرائعة نهلة احمد

 هويتي يا باحثاً أنت عنْ قَوْلي ومُعتَقَدِي إسلامُنا دينُنا أفديْهِ بالكَبِدِ هذي هوِيَّتيَ العصماءُ دائمةٌ بها النجاةُ وفوزٌ دائمُ الأبَدِ إن كنْتَ في شَكِّكَ الأعمى فَكُنْ حَذِراً مِنْ دربِ إبليسَ في سَهوٍ وعنْ عَمَدِ يَاهَلْ تُرىٰ تَرعَوي في كِلِّ نازِلةٍ حَلَّتْ بِكَ الأمسَ أوْ تاتي بيومِ غَدِ فاللّهُ أودَعَ في الإنسانِ فِطْرَتَه بالعَقْلِ زَيَّنَهُ أغناه ُ بالرّشَدِ أعُوذُ بالناس ِ قُلْ يَحْمِيكَ مِنْ حَسَدِ باسمِ الإِلَه العليِّ الواحدِ الأحَدِ نهلة أحمد

وجع قلب من روائع الراقية همس القوافي

 ¶وجع قلب ¶ اليك انت يامن حكمت بالبعد وتركتني  هل كان عشق ام هو لعنة بالموت وتهلكة ؟! كان الطريق الى حبك وعر والف حاجز عنك يمنعني لكني حاربت وكانني بمعركة  كيف السبيل الى نسيانه يا الله ارشدني  اذا كان هذا العشق وجع ولازلت غير مدركة  انت الذي قطعت حبال الوصل بيننا  من ثم تعتب لماذا اغلقت الباب بعدك  أأوهل تودني انتظر على جمر الانتظار  وتستلذ بألمي ومايمر بي ببعدك  جار قلبك على قلبي بالكسر ورخصان لحبنا  ورغم كل مامر مازلت لقلبي مالكه  بقلمي نور #همس